الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
100
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحذف ذكر الغرض الذي سار لأجله موسى - عليه السلام - لأنه سيذكر بعد ، وهو حذف إيجاز وتشويق ، له موقع عظيم في حكاية القصة ، لإخراجها عن مطروق القصص إلى أسلوب بديع الحكم والأمثال قضاء لحق بلاغة الإعجاز . وتفصيل هذه القصة وارد في « صحيح البخاري » من حديث : « عمرو بن دينار ويعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أن موسى - عليه السلام - قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل : أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا . فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه . فأوحى اللّه إليه : بلى عبدنا خضر هو أعلم منك . قال : فأين هو ؟ قال : بمجمع البحرين . قال موسى - عليه السلام - : يا رب اجعل لي علما أعلم ذلك به . قال : تأخذ معك حوتا في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمّ ، فأخذ حوتا فجعله في مكتل وقال لفتاه يوشع بن نون : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت ، قال ( أي فتاه ) : ما كلّفت كثيرا . ثم انطلق وانطلق بفتاه حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وموسى نائم ، فقال فتاه ( وكان لم ينم ) : لا أوقظه وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء فصار الماء عليه مثل الطاق ، فلما استيقظ ( موسى ) نسي صاحبه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى - عليه السلام - لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . قال : ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره اللّه به ( أي لأن اللّه ميسر أسباب الامتثال لأوليائه : فقال له فتاه : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره وأتخذ سبيله في البحر عجبا . قال : فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا . فقال موسى : ذلك ما كنا نبغي ، فارتدا على آثارهما قصصا ، قال : رجعا يقصّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى ثوبا فسلّم عليه موسى . فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام . . . الحديث . قوله : « وأنى بأرضك السلام » استفهام تعجب ، والكاف خطاب للذي سلم عليه فكان الخضر يظن ذلك المكان لا يوجد به قوم تحيتهم السلام ، إما لكون ذلك المكان كان خلاء وإما لكونه مأهولا بأمة ليست تحيتهم السلام . وإنما أمسك اللّه عن الحوت جرية الماء ليكون آية مشهودة لموسى - عليه السلام - وفتاه زيادة في أسباب قوة يقينهما ، ولأن المكان لما كان ظرفا لظهور معجزات علم